علي بن محمد البغدادي الماوردي

48

أدب الدنيا والدين

فضلهم وصادف ذلك قلة حظ بعضهم تنوهوا « 1 » بالتمييز واشتهروا بالتعيين فصاروا مقصودين بإشارة المتعنتين « 2 » ملحوظين بإيماء الشامتين « 3 » والجهال والحمقى لما كثروا ولم يتخصصوا انصرفت عنهم النفوس فلم يلحظ المحروم منهم بطرف شامت « 4 » ولا قصد المجدود « 5 » منهم بإشارة عانت فلذلك ظن الجاهل المرزوق أن الفقر والضيق مختصان بالعلم والعقل دون الجهل والحمق ولو فتشت أحوال العلماء والعقلاء مع قلتهم لوجدت الاقبال في أكثرهم ولو اختبرت أمور الجهال والحمقى مع كثرتهم لوجدت الحرمان في أكثرهم وإنما يصير ذو الحال الواسعة منهم ملحوظا مشتهرا لأن حظه عجب وإقباله مستغرب كما أن حرمان العاقل العالم غريب وإقلاله عجيب . ولم تزل الناس على سالف الدهور من ذلك متعجبين وبه معتبرين حتى قيل لبزرجمهر ما أعجب الأشياء فقال نجح الجاهل وإكداء « 6 » العاقل لكن الرزق بالحظ والجد لا بالعلم والعقل حكمة منه تعالى يدل بها على قدرته وإجراء الأمور على مشيئته . وقد قالت الحكماء : لو جرت الأقسام على قدر العقول لم تعش البهائم فنظمه أبو تمام الطائي فقال : ينال الفتى من عيشه وهو جاهل * ويكدي الفتى من دهره وهو عالم ولو كانت الأرزاق تجري على الحجا « 7 » * هلكن إذن من جهلهن البهائم وقال كعب بن زهير « 8 » بن أبي سلمى : لو كنت أعجب من شيء لأعجبني * سعي الفتى وهو مخبوء له القدر يسعى الفتى لأمور ليس يدركها * والنفس واحدة والهم منتشر

--> ( 1 ) توّهوا : تنوه مطاوع نوّه فلانا إذا رفع قدره بالتعريف والتطير . ( 2 ) المتعنتين : المفسدين . ( 3 ) الشامتين : الفرحين ببلايا أعدائهم أ . ه - المختار . ( 4 ) بطرف شامت : بعينه . ( 5 ) المحدود : المحروم ، وهو مقابل المجدود بالجيم ، وهو المحظوظ . ( 6 ) أكداء العاقل : خيبته . ( 7 ) الحجى : بكسر الحاء : العقل . ( 8 ) كعب بن زهير بن أبي سلمى : على وزن حبلى ، وليس لهم بالضم غيره واسم أبي سلمى ربيعة بن رياح بكسر الراء . مات زهير قبل المبعث ، وهو والد كعب ، صاحب « بانت سعاد » وولد كعب عقبة وكان شاعرا . وولد عقبة العوام وكان شاعرا وأبو سلمى شاعر وسلمى شاعرة ، وأخت زهير الخنساء شاعرة . ولذا قال الأخطل : أشعر الناس قبيلة بني قيس ، وأشعر الناس بيتا آل أبي سلمى ، وأشعر الناس رجلا رجل في قميص ، يعني نفسه .